السيد كمال الحيدري

20

دروس في التوحيد

وعلى هذا فلا يصحّ أنّ يشوبه شيء من العدم أو البطلان أو الفقدان أو الحدّ . الدليل الثاني : قوله سبحانه : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلهٍ إلَّا إلهٌ وَاحِدٌ ( المائدة : 73 ) . أي أنّ الله لو كان ثالث ثلاثة ، فمعناه وجود واحد واثنين وأنّه - تعالى - ثالث هذين الاثنين ، ولو كان كذلك لدخل في باب الأعداد وكان وجوده معدوداً ، وهو باطل ؛ لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، كما استشهد الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب ( عليه السلام ) بهذه الآية لنفي الوحدة العددية ، وذلك عندما قام أعرابيّ إليه يوم الجمل فقال : " يا أمير المؤمنين ، أتقول إنّ الله واحد ؟ فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابيّ ، أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم النفس ؟ فقال أمير المؤمنين : دعوه ؛ فإنّ الذي يريده الأعرابيّ هو الذي نريده من القوم . ثم قال : يا أعرابيّ ، إنّ القول في أنّ الله واحد ، على أربعة أقسام . فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه ، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل ( واحد ) يقصد به باب الأعداد ، فهذا لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة " « 1 » . فمن يقول إنّ الله ثالث ثلاثة فقد جعله سبحانه في عداد الأوّل والثاني ، فعندما نعدّ مجموعة من الكتب مثلًا نقول : هذا الكتاب الأوّل ، وهذا الثاني والثالث وهكذا . وكذلك الحال عندما نعدّ الموجودات نقول : هذا الموجود الأوّل ، وهذا هو الموجود الثاني ، والله هو الموجود الثالث ، فيدخل في باب الأعداد ، والقرآن يصرّح بأنّ هذا هو الكفر لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ .

--> ( 1 ) توحيد الصدوق ، نقلًا من : الميزان في تفسير القرآن ، للعلّامة السيّد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة إسماعيليان ، قم - إيران : ج 6 ، ص 91 - 92 .